من  السيلة الحارثية سننطلق للحديث عن هذا القائد الاشم رائد محمد السعدي ... فمن تلك البلدة الواقعة إلى الغرب من جنين. معقل الأسود ووكر الدبابير كان فجر ميلاد الاسد الهصور في عام 1966م.

فبلدة السيلة الحارثية التي تولت زمام المبادرة لغالبية الحركات الإسلامية في فلسطين وأخذت على عاتقها زرع الإباء في النفوس وشحن القلوب بالتحدي فلا عجب أن يبرز منها العمالقة الأقوياء، أمثال الأسير القائد " رائد محمد السعدي " ، المكنى بـ" أبي محمد ".

اقبل رائد على العلم بشغف وحاز مرتبة مميزة في مدرسته حتى أنهى دراسة شهادة الثانوية العامة و بعد محاولته لإكمال تعليمه في خليل الرحمن انطلقت ثورة الحجارة في العام 1987 م ، فينفض رائد من رأسه فكرة التعليم الجامعي ويتوجه بكل لهفته نحو الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني.

 رفيق درب الشقاقي

ولو سألنا رائد عن ملهمه ومعلمه لقال بفخر واعتزاز صديقي الغالي الشهيد المعلم فتحي الشقاقي ، جمعته الأقدار به خلال سفره للسعودية وتدفق حبه لفكر الجهاد الإسلامي انهاراً وعاد للوطن مشبعا بفكرة التصدي للمحتل الغاصب للأرض.

 ترك الدكتور فتحي الشقاقي المعلم المبدع أثره واضحاً في نفس رائد السعدي الذي ظل مزهواً ومفعماً بالفخر والاعتزاز يتحدث عن تفاصيل لقائه معه وكيف نهل منه روح فكر الجهاد وتشبع من كلماته المحفورة في قلبه معنى أن تكون مسلماً حقيقياً وتعيش في قداسة فلسطين.

يردد أمام والده ويعلن بكل سعادة حبه الحقيقي لفتحي الشقاقي الإنسان وتعلقه الشديد بفتحي الشقاقي المجاهد العنيد ويتعهد أمام الله أن يظل كما عاهده مخلصاً لحركته الأبية ومناضلاً في صفوفها ومحدثا فيها.

كان توجهه لحركة الجهاد الإسلامي منذ البدايات مساراً طبيعياً وجد فيه ما يريد ، فليس عجباً أن يلبس درعه البراق ويتوشح براياته الغالية فقد ولد رائد ابن السيلة الحارثية متمرداً بالفطرة فها هو وقبل بلوغه الخامسة عشرة يزرع علم فلسطين مرفرفا فوق مدرسته ويغرسه في قلوب أعدائه ليهزمهم من الأعماق برؤيته وعلى حداثة سنه يتم اعتقاله وسجنه لستة أشهر .

مجاهد صنديد

 يعود بعدها رائد مشحوناً بموجات الغضب العارم ويعود ساخطاً حاقداً كارها لآلة القمع الصهيونية الجبانة ، ويشكل مع عدد من أقرانه خليته الضاربة الخاصة التي نسج عروتها بإحكام في المسجد حيث يشده حبل الله بوثاق متين فلا يكاد يغادره حتى يهرول بلهفة إليه.

تحدثنا مع أشخاص في بلدته للسؤال عنه وبعفوية بالغة جاء الجواب :"رائد جملة متناقضات في كيان واحد : فهو خلوق كريم ومضياف رقيق كسحابة صيف مع أحباب الله ، عنيف ساخط متمرد عنيد مع أعداء الله ".

وعبر والده عن الجانب الأخير بقوله: " أرى رائد كبركان ينفث من أعماقه الغضب ضد الاحتلال الصهيوني ويتفنن لإذاقته مرارة الموت لتجرؤه على المقدسات في  محبوبته فلسطين ".

ويروي لنا حكاية رائد والده المسن المتكئ على عكازه القديم وقد غزت جسده عدة أمراض جعلت كلماته تخرج مفعمة بتنهيدات حارة أليمة فيقول :" في إحدى المرات يأتي " كابتن سامي" رجل المخابرات الشرس ويقتحم بيتي ويعتدي مع جنوده بالضرب علي ويهددون بقتل رائد إن لم يسلم نفسه ولكني ومن فرط غضبي أصيح به : " الخطر يقع عليك أنت يا كابتن لأن رائد لو رآك سيقتلك !! ".

ضارب المولوتوف

وتمضى الأيام برائد ليلمع نجمه في الضفة الغربية حتى بات يعرف بأبرع ضارب للمولوتوف ويغدو مطارداً بعدها ومطلوبا حيا أو ميتا ويصبح بيته مرتعاً لقطعان المخابرات الصهيونية التي تصب غضبها على العائلة ، وتعيث بالبيت فساداً فتقتحمه لاثنتين وسبعين مرة حتى تبلغ الأمور ذروتها باعتقال " أبي رائد " وتبقيه رهن الاعتقال والتحقيق والتنكيل لثلاث شهور ونصف لتمارس بحقارة ضغطها على رائد لتسليم نفسه.

وتأبى حركة الجهاد الإسلامي إلا أن تحتل موقع الريادة في المجال الجهادي ضد الاحتلال فها هي تخطط وينفذ رائد هجمات نوعية محولاً نمط المقاومة من الأسلحة البدائية كالحجارة إلى المتفجرات المصنعة يدوياً التي لم تكن منتشرة في ذاك الحين، فيشن غاراته ضد معسكراتهم و ينجح في قتل جندي وجرح 19 آخرين من قطعان خنازيرهم.

يوم اعتقاله

وفي بداية عام 1989 م ، تجتاح البلدة أرتال من آليات الصهاينة العسكرية وتضرب حصارا حول مسجد البلدة الذي تحصن به رائد ويبدأ بعمل بطولي قل أن يجود الزمان بمثله . فيمطر جنودهم بعشرات القنابل من المولوتوف وتسمع البلدة صرخات جنود الاحتلال وهم يفرون وقد أثخن فيهم الجراح ، ولكن بعد هذه المعركة الحادة تمكنت قطعان الاحتلال من اعتقال رائد ليرتقي لقافلة الأسود والقيود . 

29 عاماً ولا زال ينبض ثورة

ودخل الأسير القائد رائد محمد شريف السعدي (51 عامًا)،أحد أبرز قادة سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ببلدة السيلة الحارثية غرب جنين، عامه التاسع والعشرين على التوالي في سجون الاحتلال.

وكانت قوات الاحتلال اعتقلت الأسير القائد رائد السعدي بتاريخ 1989/8/28م؛ وأصدرت المحكمة الصهيونية بحقه حكما بالسجن المؤبد مرتين إضافةً إلى عشرين عاماً؛ بتهمة مقاومة الاحتلال وتنفيذ عمليات عسكرية أدت إلى مقتل جنود ومستوطنين صهاينة.

ويعتبر الأسير رائد السعدي أحد عمداء الأسرى في سجون الاحتلال، وعميد الأسرى هو لفظ يطلق على من أمضى أكثر من عشرين عاما خلف القضبان، وعلى مستوى مدينة جنين يعد الأسير السعدي ثالث أقدم أسير من مدينة جنين.

ويعتبر الأسير رائد محمد السعدي عميدا لأسرى الجهاد الإسلامي في فلسطين، إذ يعد أقدم أسير لحركة الجهاد الإسلامي، وقد أمضى سنين سجنه متنقلا بين المعتقلات الصهيونية المختلفة، ويقبع حاليا في سجن نفحة.