المولد والنشأة
في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة، وفي اليوم الحادي عشر من فبراير للعام 1964م، تفتحت عيون الفارس المغوار محمد أبو عبد الله "أبو مرشد" على صيحات الثكالى و الأرامل.. على أنقاض المدن والقرى الفلسطينية المدمرة على رؤوس أصحابها، ولد الشهيد لعائلة صابرة متواضعة ومجاهدة بعد أن عانت مرارة التهجير والتشريد.. بعد أن اغتصبت قوات الحقد الصهيونية بلدة "يبنا" في عام 1948 كما غيرها من المدن والبلدات الفلسطينية المنكوبة.

تلقى شهيدنا الفارس تعليمه الأساسي في مدارس وكالة الغوث للاجئين في مخيم البريج للاجئين، قبل أن يجتاز المرحلة الثانوية في مدرسة خالد بن الوليد في مخيم النصيرات، وكان من المتفوقين في دراسته، ثم التحق بالجامعة الإسلامية وحصل على بكالوريوس من كلية التجارة تخصص اقتصاد، وتخرج منه بتقدير امتياز/ الأول على دفعته في العام 1986. وأدى فريضة الحج في عام 2005 للشهيد أربعة من الإخوة ترتيبه الثالث بينهم وتسعة أخوات. وهو متزوج و له ثمانية من الأبناء والبنات.

صفاته وأخلاقه
تربى الشهيد محمد أبو عبد الله في أحضان عائلة متدينة محافظة، وتميز منذ نعومة أظافره بدماثة أخلاقه وشدة تدينه وأدبه المتفرد فكان محبوباً من جميع من عرفوه، ولعل نشأته في أسرته المتدينة وإقباله على موائد القرآن والسنة جعله يتصف بهذه الصفات.

تقول زوجة الشهيد "أم مرشد" إن من أبرز الصفات التي تميز وعرف بها الشهيد فطنته وذكاءه الشديدين، أضف إلى ذلك جديته في كل محطات حياته، والسرية التامة، حيث كان كتوما شديد الحذر.

أبو مرشد الشيخ الزاهد العابد، ترك الدنيا وزينتها وسخر نفسه لله والوطن، وأفنى حياته في خدمة هذا الدين العظيم.

ومما يسجل للقائد أبو مرشد من صفات تميز بها، شدة تواضعه وإعراضه عن كل ملذات الحياة، وحبه للجميع وكان حنونا على أولاده، طيب القلب مع الصغير والكبير، وكان كريما عطوفا، يقدم يد العون لكل محتاج...

وعلى صعيد عمله الجهادي، تميز الشهيد بالانضباط الشديد وحرص على تربية أبنائه في سرايا القدس على أساس النظام والانضباط الشديدين.

كان الشهيد رياضيا وداوم على الكثير من النشاطات الرياضية وخصوصا السباحة فأجاد السباحة وكرة القدم، بل عمل على تنظيم دورات سباحة لمجموعات من مقاتلي سرايا القدس.

المشوار الجهادي
منذ نعومة أظفاره، تعرف شهيدنا المجاهد على الإسلام الجهادي، حيث بدأ الشهيد ينشط ضمن الإطار الطلابي للجهاد الإسلامي " كتلة المستقلين" سابقا في بداية الثمانينات في الجامعة الإسلامية في غزة.

منذ ذلك الحين نفر الشهيد القائد أبا مرشد في سبيل الله والوطن فكان من القادة الأوائل الذين لهم باع طويل في تأسيس حركة الجهاد الإسلامي في المنطقة الوسطى، فقد بدأ بالتنظير للجهاد الإسلامي وأفكاره منذ أن كان طالبا جامعيا، وكانت له عدة لقاءات فكرية مع الشهيد د0 إبراهيم معمر، وقد حضر محاضرات سياسية عديدة للدكتور رمضان شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وقد كان بيته بمثابة محطة للحواريين الجدد، رواد الطليعة الأولى للعمل الإسلامي الثوري في غزة، وقد شهد بيته العديد من الحوارات التي كان لها دور في تأسيس التنظيم في المنطقة الوسطى بقطاع غزة، كما أنه كان يدرس أبناء المخيم فكر الشهيد فتحي الشقاقي والشهيد العالم سيد قطب، وقد تخرج على يديه ثلة من المجاهدين الذين يحملون الشهادات الجامعية العليا.

شق الشهيد مشواره الجهادي وقام بنشر مبادئ وأفكار الجهاد الإسلامي في المنطقة الوسطى عامة ومخيم النصيرات خاصة، ومع اشتعال فتيل الانتفاضة الأولى المباركة في 1987 ، وبعد استشهاد رفاقه القادة في معركة الشجاعية، بدأ الشهيد بتشكيل أول المجموعات العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي تحت لواء "سيف الإسلام" آنذاك، والتي نفذت العديد من العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، خاصة في منطقة الوسطى.

وفي العام 1989 جرى اعتقال شيخنا المجاهد من قبل قوات الاحتلال وأمضى في السجن مدة عامين بتهمة التنظيم العسكري للجهاد الإسلامي، ثم خرج البطل من السجن وكله عزيمة وإصرار على مواصلة درب الجهاد والمقاومة، فبدأ بتشكيل النواة العسكرية الأولى للجهاد الإسلامي تحت لواء "القوى الإسلامية المجاهدة قسم" برفقة الشهداء القادة هاني عابد، ومحمود الخواجا، وعمار الأعرج ومقلد حميد وبشير الدبش وغيرهم من العظماء... وقاموا بالتخطيط لعمليات بطولية في العمق الصهيوني، وكان من بينها ( عملية بيت ليد الشهيرة والتي نفذها الاستشهاديان أنور سكر وصلاح شاكر، وعملية مفترق الشهداء والتي نفذها الاستشهادي البطل هشام حمد، وعملية كفار داروم والتي نفذها الاستشهادي خالد الخطيب) وغيرها الكثير.

في عام 1994 تم تأسيس مركز فلسطين للدراسات والبحوث وأخذ يجمع الباحثين المميزين، حيث كان من بينهم الشهيد القائد أبو مرشد، وقد عمل في البحث وإصدار سلاسل الكتب.

وقد حصل شهيدنا القائد على عدة دورات تقنية والكترونية التي كان لها الدور البارز في تطوير المنظومة التقنية والهندسية العسكرية للجهاد الإسلامي.

ومع اشتعال فتيل انتفاضة الأقصى المباركة، بدأ أبو مرشد ومجموعة من رفاقه قيادات الحركة العسكرية وعلى رأسهم أبو الوليد الدحدوح ومحمد الشيخ خليل وماجد الحرازين "أبو المؤمن" وأبو عرفات الخطيب والذين سبقوه إلى الفردوس الأعلى بتأسيس الجناح العسكري المظفر سرايا القدس، وقد أشرف أبو مرشد شخصيا على تنظيم صفوف سرايا القدس على المستوى التنظيمي وعلى مستوى الهندسة والتصنيع وعلى مستوى التسليح، فقد بدأ بتنظيم دورات تدريبية عسكرية، وتخرج على يديه المئات من فرسان سرايا القدس الميامين، وقد فكر الشهيد في تأسيس جيش عام لشباب الحركة باسم جيش القدس ليكون هدفه حماية ثغور الوطن الداخلية والقيادات العسكرية في الحركة، واخضع هذا الجيش للدورات العسكرية التي أشرف عليها القائد أبا مرشد شخصيا، وقد تخرج منها العديد من الفرسان الذين كانوا نواة سرايا القدس.

وكان لشهيدنا المغوار شرف التخطيط لعدة عمليات نوعية بطولية أوجعت الكيان الصهيوني، وقضت مضاجعه، كان من أهمها عملية الصيف الساخن في معبر كوسوفيم ومنفذها الاستشهادي محمد الجعبري، وعملية زلزلة الحصون التي استشهد فيها المجاهد محمود سلامة.

الشهيد القائد أبا مرشد وبشهادة العدو قبل الصديق، يعتبر المسئول عن المنظومة التقنية الحديثة لسرايا القدس، ورئيس مجلس الشورى الأعلى لسرايا القدس، ويعتبر الشهيد القائد أبا مرشد العقل التقني والمفكر لتطوير صواريخ القدس، فقد عمل على تطوير الصواريخ لا سيما في الفترة الأخيرة وعمل على تطوير عبوات رعد وبرق وسجيل وعبوات موجهة ضد "الأفراد" وتصنيع وتطوير قذائف الهاون من العيار الثقيل وتطوير القنابل اليدوية.

المشهد الأخير
كان اسم الشهيد القائد أبو المرشد على رأس قائمة الإرهاب الصهيوني للمطلوبين للاغتيال، لاعتباره المخ التقني للمنظومة الصاروخية لسرايا القدس، وقد سخر له الاحتلال إمكانياته واستخباراته من اجل القبض عليه حيا أو ميتا أو اغتياله، كما زرعوا الأرض بالعملاء المأجورين، وتعرض لعدة محاولات اغتيال ، لكنه استعصى بفضل الله عليهم وبقي شامخا قابضا على زناده، ولم يستطيعوا أن يكسروا عزيمته، وبقي شعلة متقدة من العطاء.

لقد توارى الشهيد عن الأنظار فترة طويلة قبل استشهاده وترك الأهل والديار، ومضى في مشواره الجهادي لم يكل أو يمل.

في يوم السابع والعشرين من ديسمبر 2007 قامت الطائرات الصهيونية باغتيال مجاهدين من سرايا القدس وهما الشهيد محمد فوزي أبو حسنين، ومحمد أحمد أبو حسنين، فهرع الشهيد أبا مرشد يتفقد المكان الذي ارتقى فيه الشهيدان برفقة اثنين من رفاقه، ولكن كانت طائرات الحقد أسرع وباغتته غدرا وأطلقت الصاروخ الأول باتجاهه فنجا منه الشهيد، وأصاب أحد رفاقه الذي استشهد في وقت لاحق وهو الشهيد إبراهيم اللوح، فعاد أبا مرشد لنجدة رفيقه فإذا بصاروخ آخر يصيبه، ليرتقي شهيدا يوزع دمه على جداول فلسطين وليعلن هذا الدم الساطع بداية مرحلة جديدة من الصراع مع الصهاينة وعملائهم عنوانها أن لا خيار أمام الفلسطينيين إلا المقاومة والسلاح لتحرير الأرض من بحرها إلى نهرها.